أبي المعالي القونوي
25
اعجاز البيان في تفسير أم القرآن
بالأحوط ، وإصابة بعض الناس في أفكاره ؛ لسلامة فطرته في كثير من الأمور ، وبعضهم مطلقا في جميعها بتأييد إلهي خصّ به دون كسب لا تنافي احتياج الغير إليه ؛ ونظير هذا ، الشاعر بالطبع وبالعروض ، والبدويّ المستغني عن النحو بالنسبة إلى الحضريّ « 1 » المتعرّب . مذهب المحقّقين ونحن نقول بلسان أهل التحقيق : إنّ القليل الذي قد اعترفتم « 2 » باستغنائه عن ميزانكم لسلامة فطرته وذكائه نسبته إلى المؤهّلين للتلقّي من جناب الحقّ والاعتراف من بحر جوده ، والاطّلاع على أسرار وجوده في القلّة وقصور الاستعداد ، نسبة الكثير المحتاج إلى الميزان . فأهل اللّه هم القليل من القليل ، ثم إنّ العمدة عندهم في « 3 » الأقيسة البرهان وهو : إنّي ، ولمّي « 4 » - وروح البرهان وقطبه هو الحدّ الأوسط . واعترفوا بأنّه غير مكتسب ببرهان ، وأنّه من باب التصوّر لا التصديق . فيتحصّل « 5 » ممّا ذكرنا : « 6 » أنّ الميزان أحد جزءيه غير مكتسب ، وأنّ المكتسب منه إنّما يحصل بغير المكتسب ، وأنّ روح البرهان - الذي هو عمدة الأمر والأصل الذي يتوقّف تحصيل العلم المحقّق عليه في زعمهم - غير مكتسب ، وأنّ من الأشياء ما لا ينتظم على صحّتها وفسادها برهان سالم من المعارضة ، بل يتوجّه عليه إشكال يعترف به الخصم . ومع ذلك فلا يستطيع أن يشكّك نفسه في صحّة ذلك الأمر هو وجماعة كثيرة سواه ، وهذا حال أهل الأذواق ومذهبهم حيث يقولون : إنّ العلم الصحيح موهوب غير مكتسب . وأمّا المتحصّل لنا بطريق التلقّي من جانب « 7 » الحقّ وإن لم يقم عليه البرهان النظري ؛ فإنّه لا يشكّكنا فيه مشكّك ، ولا ريب عندنا فيه ولا تردّد ، ويوافقنا عليه مشاركون من أهل الأذواق ، و [ أمّا ] أنتم فلا يوافق بعضكم بعضا إلّا لقصور بعضكم عن إدراك الخلل الحاصل في
--> ( 1 ) . ه : الحضرمي . ( 2 ) . ق : عرفتم . ( 3 ) . ه : أقيسة . ( 4 ) . ق : لمّي وانّي . ( 5 ) . ق : فينحلّ . ( 6 ) . ق : ذكر . ( 7 ) . ق : جناب .